
هذا المساح مخصص لأصوات تهمّ — أناس حقيقيون وتجارب حقيقية. بفتح قلوبهم حول رحلاتهم نحو التعافي والنمو، يساهم كتّابنا في كسر حاجز الصمت وبناء مجتمع داعم.
بدأ كل شيء عندما كنت في الصف التاسع. كانت بعض الفتيات في المدرسة يعلقن على شكل جسدي، وقد أثرت كلماتهن فيّ بشدة، لكنني لم أخبر والديّ بالأمر. خلال عطلة الصيف، بدأت أمتنع عن تناول بعض المجموعات الغذائية، ليس بهدف إنقاص الوزن، بل لأنني كنت أعتقد أن ذلك سيجعلني أشعر بتحسن. لم أدرك مدى فقداني للوزن إلا عندما لاحظت أمي ذلك، ومع ذلك لم أعتبره شيئاً مقلقاً في البداية.
عندما التحقت بالصف العاشر، انضم عدد كبير من الطلاب الجدد إلى صفنا. كانت تلك السنة من أصعب السنوات بالنسبة لي، إذ فقدت ثقتي بنفسي وبدأت أتناول كميات أقل فأقل من الطعام، أحياناً بالكاد أتناول شيئاً، فقط لأُبقي الرقم على الميزان ثابتاً. حاولت أمي مساعدتي بطرق مختلفة، لكنني لم أستجب. ومع مرور الوقت، أدركت أمي أنني أعاني من اضطراب في الأكل.
تغيّرت شخصيتي كثيراً؛ أصبحت أكثر انطواءً وقلقاً باستمرار بشأن نظرة الآخرين لي. وأكثر ما آلمني أن بعض المعلمين أيضاً أطلقوا تعليقات قاسية مثل: "لماذا أصبحتِ كهيكل عظمي؟" شعرت حينها بالإحراج الشديد والعجز عن الرد. كفتاة في الخامسة عشرة من عمرها، كان ذلك مؤلماً ومربكاً، ولم أستطع مصارحة والديّ بما كنت أتعرض له من تنمّر.
ثم جاء وباء كورونا وانتقلت الدراسة إلى النظام الإلكتروني، وكان ذلك بمثابة استراحة نفسية وجسدية لي. بدأت صحتي النفسية تتحسن تدريجياً، وكنت محظوظة بوجود أم لم تيأس من مساعدتي. بحثت كثيراً عن علاج مناسب، لكن في العالم العربي كان من النادر إيجاد مراكز أو أطباء يتعاملون مع اضطرابات الأكل أو يعترفون بها كأمراض نفسية حقيقية.
وأخيراً، وجدنا طبيبة في دبي، التي فهمت تماماً ما كنت أمرّ به. في البداية كان اتباع نصائحها أمراً صعباً للغاية. كان عليّ أن أتناول سعرات حرارية أكثر وأعيد بناء علاقتي بالطعام تدريجياً، وكنت أبكي أثناء معظم الوجبات. لكن مع مرور الوقت، وبفضل إرشادات الدكتورة ودعم أمي المستمر، بدأت حالتي تتحسن شيئاً فشيئاً.
شرحت لي الدكتورة كل خطوة من خطوات العلاج، وقدمت لي نظاماً غذائياً متوازناً ساعدني على التعافي. وبحلول نهاية الصف الثاني عشر، لم أكن قد استعدت وزني الصحي فحسب، بل أيضاً استعدت سلامي النفسي.
لقد تعلمت أن التعافي لا يقتصر على الطعام أو الأرقام، بل هو رحلة نحو تقبّل الذات والصبر والتعامل مع الجسد بلطف. وعندما أعود بذاكرتي إلى الوراء، أدرك كم يمكن للكلمات أن تترك أثراً عميقاً. بدأت معاناتي ببضع كلمات عابرة، لكنها تحولت إلى صراع طويل، علّمني القوة والتعاطف مع من يواجهون معاركهم في صمت.
اليوم، أشعر بالفخر لما وصلت إليه. ما زالت تراودني لحظات من الشك، لكنني أصبحت أعرف كيف أعتني بنفسي، ولم أعد أسمح لآراء الآخرين بأن تحدد قيمتي. تعلمت أن الشفاء ممكن حتى عندما يبدو مستحيلاً، وأن طلب المساعدة ليس ضعفاً، بل شجاعة.
وقبل كل شيء، أنا ممتنة لأمي التي لم تتخلَّ عنّي آمنت بي عندما لم أستطع أن أؤمن بنفسي. قصتي ليست مجرد حكاية عن اضطراب في الأكل، بل عن إعادة اكتشاف الذات والأمل بعد الألم.
أتعلم ما معنى أن تكون مضطرب غذائياً؟ هو أن تضطرب حياتك كلها بأسباب شتى تبدأ بتقليل لقمة واحدة فقط وينتهي بك الأمر بأكل لقمة واحدة فقط، هو أن تمقت جسدك بالإضافة إلى صحة نفسية وجسدية متهالكة، ويكون تقديرك لذاتك منعدم، ويبدأ الأمر باكتساب ثقافة متنوعة عن التغذية وينتهي بك الأمر بجعل جسدك فأر تجارب لكل أنواع المعلومات الواهية والكاذبة لمدعين العلم والخبرة.
أدركت أن لدي اضطراب الأكل خلال رحلتي في علاج الرهاب الاجتماعي خلال موعدي مع مختصة تغذية في نفس المركز النفسي لتجنب أي تعليق من مختصين التغذية الغير مراعين لمشاعر الآخرين. كان الغرض من الموعد أن أواصل نزول وزني بعد إنقاص 20kg في تلك السنة ولم أكن مدركة أن لدي اضطراب في الأكل لأنني طالما كنت متأكدة أن اضطرابات الأكل تأتي فقط لفاقدين الشهية وذوي الوزن القليل جداً، فأنا مجرد شخص عديم الإرادة والقيمة أحاول أن أصل إلى وزني المثالي منذ أن كنت في سن التاسعة ولكنه كان مثل البَنْدول الذي يتخبط يمنة ويسرة، لذلك ليس لي الحق بأن أضع اضطراب الأكل شماعة لضعف إرادتي، وبعد القيام بحل استبيان للتأكد من وجود أو عدم وجود أي نوع من أنواع اضطرابات الأكل، فتبين أن لدي اضطراب في الأكل، فوجهتني مختصة التغذية للحصول على علاج لاضطراب الأكل CBT-E مع معالج نفسي متخصص في هذا النوع من العلاج.
كانت رحلة علاج اضطراب الأكل ممتعة، مربكة، مليئة بالشكوك الذاتية، وبمدى نفع هذا العلاج، ولكن هذه الشكوك بدأت تتلاشى تدريجياً لأن هذا النوع من العلاج يكون علاج تكاملي مكون من فريق لبق، يحترم ويقدر المشاعر الإنسانية، فهو يتألف من طبيب نفسي، طبيب عام، معالج نفسي مختص، واختصاصي تغذية مختص باضطرابات الأكل لتقييم الوضع ووضع خطة علاج تناسب المريض؛ فخطة العلاج تكون موحدة في نقاطها الأساسية وتختلف وتتفرع في تفاصيلها بما يناسب احتياجات المريض وتحسن وضعه. وأوجه شكر مليء بالحب والمودة للمعالجة النفسية التي تعاملت معها فاهتمامها الصادق والنقي جعلني أؤمن بمدى نفع هذا العلاج.
فهو يتكون من عدة مراحل يبدأ بمرحلة ممتعة تتمحور حول إعادة بناء كل المعلومات الغذائية، ومعلومات عن أنواع اضطرابات الأكل وعلاقتها بالصحة النفسية من مصادر موثوقة، وتعليم الشخص بناء علاقة حب واحترام مع جسده، ورغم صعوبة هذه المهمة لكنها تساعد كثيراً في تقليل المشاعر السلبية اتجاه الجسد عن طريق تمارين كتابية وحوارية، وتسجيل يومي لجميع الوجبات التي تم أكلها خلال اليوم مع تدوين المشاعر المتعلقة بالأكل لأن اضطرابات الأكل أحد أسبابها يرتبط بمواقف تنمر وإساءة حدثت في الماضي أدت إلى هذه العلاقة المضطربة مع الأكل. يساعد العلاج أيضاً على التعرف على الأسباب الأخرى التي أدت إلى اضطراب الأكل ومعالجتها أو تقبلها مع تقليل التركيز على الوزن والمظهر والتركيز على بناء أهداف أكثر عمقاً وتساعد على احترام المريض لنفسه وليس الإنقاص من قيمته.
قد تكون رحلة علاج اضطراب الأكل طويلة وتحتاج إلى التزام، ولكنها تستحق كل وقت وجهد استثمرته فيها، فأنا الآن أصبحت أحترم جسدي ولا اسمح لأي شخص كان من كائن يوجه أي إهانة متعلقة بي أو بوزني وهيئتي، وقد تخليت عن محاسبة نفسي كمتهم عليه أن يدافع عن نفسه لكيلا تثبت إدانته أمام قاضي محكمتي التي بنيتها بنفسي لمحاكمة نفسي بعد كل وجبة ثم أصبحت بعد كل خطأ، وآخِراً أصبحت معممة على كل تصرفاتي وأفعالي. وقد أيقنت ألا يمكن لأي شخص أن يحدد صحته من خلال وزنه فهناك الكثير من الأسباب التي توصل العلم إليها، ولكن في المقابل هناك الكثير الذي لم يصل إليه. فإذا هناك من يقول قل لي كم وزنك أقول لك كيف هي صحتك فهو ليس إلا جاهل يتباهى بجهله الذي لا يفقه عنه شيئاً.
هناك الكثير من الجهل في موضوع اضطرابات الأكل رغم زيادة الأشخاص الذين يصابون به، ورغم سهولة الوصول للمعلومات في الوقت الحالي، لكن أصبحت المصادر المغلوطة منتشرة في كل مكان، لذا فعلى الشخص أن يتحقق أولاً من المصدر، بالإضافة إلى قلة الوعي بالاضطرابات النفسية والصحة النفسية رغم أنه جزء مهم جداً في تحسين جودة حياة الإنسان، ولو أن الإنسان انشغل بتحسين صحته النفسية لما أدى ذلك إلى هذا الكم الهائل من التنمر، اضطرابات القلق، واضطرابات الأكل. فعلى جميع العائلات، الأفراد، والمربيين أن يدركوا أن اضطرابات الأكل هي ليست قلة إرادة أو فشل في إدارة رغبات الشخص، بل هي نتيجة لتراكمات في الصحة النفسية والجسدية وحلها بحاجة لمساعدة مختصة وليس بمضاعفة وصمة العار اتجاه الاضطرابات النفسية وبالأخص اضطرابات الأكل.